"إنني فقط أبحث عن زاوية صغيرة أستطيع أن أتنفس فيها" كافكا

"الكلمة خنجر لايرى" سيوران

"أكتب لأن هناك صوتا بداخلي لا يهدأ" سلفيا بلاث

"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

السبت، 30 يناير، 2010

فاطمة الشيدي لأقاصي نعم الرواية الأكثر انتشارا ولكن !

ملحق أقاصي - جريدة الشبيبة ३० يناير 2010
حوار مع الشاعرة والروائية فاطمة الشيدي
حاورها: الخطّاب المزروعي


* قلتِ في حوار معكِ: " أن خارطة الشعر العماني لا سلالم لها ولا مواقع عليا ودنيا". هل جيلك بلا آباء لقصيدتهم. أليس هناك رواد في القصيدة العمانية الحديثة، سبقوكم في التجربة؟هذه ورطة اللغة في التخصيص والتعميم!! عموما كنت أقصد -في هذا الجزء المقتنص من حوار سابق- أن أفعل التفضيل لا مجال له في الشعر، فلا يوجد طبقات، ومستويات وسلالم ومواقع فيه، هناك الشعرية فقط، هناك النص الذي يحتكم له المبدع في الاهتمام، والعناية، والإحساس، والتمثل والافتتان.هذا النص الذي يتفاوت من شاعر لآخر، ومن نص لآخر عند ذات الشاعر.
وكلمة شاعر هي في الأساس تتويج لشعريتك، واعتراف ضمني بأن ما تكتبه شعرا، فإن حدث هذا وأقنعت ذاتك وقراءك بشعريتك؛ فهذا هو الأهم، فقد تجاوزت كل الأشياء الهامشية إلى أرض الشعر المقدسة. وهناك ستجد كل الشعراء الأحياء منهم بكل تجاربهم وامتداداتهم الشعرية، والأموات بتجاربهم الخالدة، يحاذونك بنصوصهم العظيمة في غبطة ويسر، وبلا حسد، لأن الشاعر الحقيقي يفرح بولادة شاعر أكثر من فرحه بأي شيء آخر.
فالأمر لا يعني العقوق الأبوي الشعري، ولا قتل الآباء، وهي الفكرة التي سادت في النقد في القرن العشرين، - بل لدي فكرة عكسية تماما، فما أحوجنا إلى نماذج، كي لا نشعر بالفراغ يأكل ظهورنا وجذورنا وامتدادنا، كما نشعر بذلك في كثير من الأحيان والمواقف- ولكن يعني الوقوف إلى جوار تلك التجارب؛ لتأملها عن قرب، والانطلاق من النقطة التي وصلت إليها، والتفاعل معها وليس تقليدها.
قصيدة النثر في ثمانينيات القرن المنفرط في عمان،كانت بمثابة أرضية ممهدة للقصيدة التسعينية، لكنها لم تكن تصلح لأن تكون حالة أبوية، فقد كانت لا تزال تؤسس مشروعها حين بدأت بعض التجارب التسعينية في الظهور، واستغرق الأمر زمنا حتى تبلورت تلك التجارب بوضوح تام، وفي المقابل كان هناك نضج مواز لبعض التجارب التسعينية. الأمر إذن مرتبك نوعا ما، في تحديد مفاهيم الجيلية والأبوية..
بالطبع أنا هنا أتكلم بشكل عام، أما تجربتي الخاصة فهي تجربة تسعينية محضة، ولازلت أراها قليلة ومتواضعة في زمنها وفي نتاجها. وقد تقف عند حدود ما، فأنا لا أراهن كثيرا على الخلود.
* هل فعلاً أن الشعراء اكتائبيون..تخفيفاً لمقولة سيجموند فرويد لكلمة (عصابيين). خاصة وأنت قلتِ في ذات مرة "الشعر كله انفعالات" ؟
أعتقد أن الأمر لا يخلو من درجة من الصحة سواء بذات المقولة الفرويدية، أو بتخفيفها من قبلك، ومع هذا لا أستطيع أن أطلق حكما أو أعمم، إلا أنني أنفي أن يكون الشعراء مرضى نفسيين، وأن يكون الشعر هذيانا، وهلوسة مرضية، إن فكرة أن الشاعر مريض نفسي يهذي ويهرف بلا يعرف، فكرة مستهلكة وباهتة وبائتة، دحضتها الكثير من الحالات المعرفية والشعرية العظيمة.
فقط يمكننا النظر للأمر من زاوية أكثر رهافة، فالشاعر إنسان مرهف وحسّاس ومتنبئ تتمرأى في ذاته كل الصور، وتتصاعد في نفسيته كل المشاعر، وينتج لديه شعور مضاعف بالقهر والظلم والألم والحزن، لأبسط المواقف ولهذا يكتب، إنه يكتب عن المأساة من داخله، وعن الحزن من أعماقه، يتبني جروح وأحزان وآلام الكون كأنها جروحه وأحزانه وآلامه، فلا عجب ولا غرو أن يصبح مكتئبا وحزينا، وهو الذي جعله القدر في عمق المعنى والمعاناة الوجودية، وجعله "سيزيف عصره"، يحمل صخرته حتى المنتهى بكل ألم وحزن وصبر، وجعلته المجتمعات "مسيح" زمانه، يصلب كل يوم باسم الحرية والعدل والمساواة!!
أما ما قصدته في هذه الجملة المقتبسة أنه لا يمكننا أن نكتب نصا من منطقة محايدة شعوريا، من روح وقلب وذاكرة غير منفعلة أو مرتبكة أو مجروحة، وإلا لأصبح سطحيا وبسيطا، وهشا وساذجا، قصدت من الانفعال هنا إعطاء قيمة شعرية روحية داخلية للنص، بجعله حالة انفعال وارتباك، هزة داخلية عنيفة توجد فكرة النص، وتحكم مدارات كتابته، ولغته، وصوره، استطالاته، واستداراته، انبساطاته وانقباضاته، ليأتي جارحا وحادا وعميقا وشاعرا ومستشعرا، إنها حالة تعميق لفكرة ولادة النص، وليس تسطيح للفعل.* صدر لك في الشعر: ("هذا الموت أكثر اخضرارا "خلاخيل الزرقة" ،" مراود الحلكة").كما صدر لك رواية "حفلة الموت". ألم يسيطر الشعر على عملك الأخير؟
شاعرية الفكرة، أم شعرية اللغة؟ هذا هو السؤال!
رواية "حفلة الموت" شبه واقعية، وهي نقدية من حيث الفكرة، ولكنها مكتوبة بلغة شعرية، وهذا شبه مقصود، ولا أعتبره عيبا، ببساطة هذه هي أدواتي اللغوية التي أعتز بها، ولا أفكر في تغييرها، اللغة الشعرية هي تمظهر جمالي للنص، وحالة تجميل له، إنها أشبه بإكسسوارات مدهشة تزيد الجميل جمالا، وتخفف حدة القبح، أو مكياج لغوي للفكرة تزيدها وضوحا وسطوة وبهاء.
ولم لا؟
لم علينا أن نكتب بجفاف، مادام بإمكاننا أن نكتب نصا عذبا طريا، منعما بحرير اللغة، وممزوجا بمائها؟، لم علينا أن نباهي بنص يختزل روح النص في الأفكار، والأفكار في الكلمات المباشرة، وينقضّ على روح القارئ بسطوة لغة فجة، لا تريد أن تقول أبعد من مفرداتها التي لا تحمل صورة ولا رمزا ولا خيالا ولا خلخالا، ولا رقصة جذلى، ولا خنجرا مغمسا بالدم الحي اليقظ؟!
وهل كل القراء سواء، أليس هناك قارئا يستحق أن يدلل روحه وشجنه برواية لذيذة وثرية، وشعرية؟ّ
لم علينا أن نقرأ نصا يتكسر بين أسناننا، كخبزة جافة، وبإمكاننا أن نتلذذ بنص هش وحلو كقطعة "جاتو" ..؟!
عني أميل للغة الشعرية في كل نص أبحث عنه لأقرأة، ولذا فقد كتبت رواية لقارئ شبيه، متذوق للشعر وعاشق له..
إذن! فإجابتي على سؤالك بكل اعتزاز ..نعم..سيطر الشعر على لغة روايتي!!
* هل اللغة في رأيك تستطيع أن تقوم بدور أكبر في رسم الحدث أم أنها تزيده ربكة في ظل عدم وضوح الحدث كون اللغة قد طغت عليه؟
اللغة هي أداة النص في التعبير عن أفكاره، وموضوعاته وتحليلاته، وتجسيد شخصياته، وإنطاقها، ولا نص بلا لغة، واللغة الشعرية بالإضافة إلى ذلك تجمّل النص، وتمتع القارئ بصورها وجمالها وعذوبتها وتقربه من المتلقي، فأن تقرأ رواية فيها حدث جيد بلغة قوية فهذا شيء رائع، وأن تقرأ رواية فيها حدث جيد بلا لغة فهذا شيء مقبول إلى حد ما، وأن تقرأ رواية بلغة جميلة وبلا حدث فحسنتها الوحيدة اللغة، ولكن كيف يمكن أن تقرأ رواية بلا حدث ولا لغة؟ فهذه كارثة كبيرة!!
* الجدلية القائمة والمستمرة والتي يظن البعض وكأنها ستحل كل مشاكلنا الثقافية والسياسية والإقتصادية، هو مشكلة من يقف أولاً الشعر أو الرواية، والسؤال المتكرر والمتجدد في نفس الوقت وهو أنه شر لا بد من الخوض فيه؛ وأنتِ ذهبت إلى الشعر؛ رغم أن أكثر ما يطبع وينشر في العالم العربي هو الرواية، والقاريء كثيراً ما يغامر ويشتري رواية لكاتب لا يعرفه ولم يسمع عنه، ويتردد في شراء ديوان إلا إن كان قرأه من قبل واستماله.
سأقول لك شيئا.. "الشعر" منذ زمن لم يعد نصا حياديا، أصبح روح وفكرة، وتسرب بحنان دافئ في كل الفنون الأخرى، وأصبح أكثر حضورا في كل الأشكال الفنية والأدبية من الرواية والمسرح، والموسيقى، وحتى السينما والفلسفة، بل وفي كل المجالات الإنسانية من الديكور وحتى الأزياء، وحتى تفاصيل الحياة الأخرى.
نعم يمكننا القول الآن أن "الرواية" هي الأكثر انتشارا من الشعر، ومن كل الفنون الأدبية الأخرى، ولكن هذا ليس في المطلق أيضا، فهناك روايات ليس فيها سوى كم من الثرثرة، المشكلة تكمن في انتشار قيم الرداءة الفنية في الكثير مما يكتب، وفي تسارع نبض العصر ونبض الكتابة.. ومع هذا فلنخلص لنتيجة حيادية، وهي أن النثر سواء كان سرديا أو فنيا أو شعريا؛ هو الأكثر ترجيحا في الذائقة المعاصرة فعلا..
* تجربتك مهمة على المستوى الفني والزمني حيث صدر ديوانك الأول عام 1997م، هل تحسين أن تجربتك أخذت حقها أم أن الساحة الثقافية العمانية مملوءة بالشللية وشيوخ أدب من منطلق مجتمع قبلي لا أحد يتجاوز الرؤوس؟
سأحاول التملص من مأزق سؤالك (مع أني أوافق جدااا على رؤيتك وتحليلك للساحة الثقافية، وأضيف إليه "هذا من شيعتي، وهذا من عدوي"، وهو منطق الأصدقاء)، لأقول أن إيمان الفرد بدءا بذاته وبمشروعه هو الأساس، لإقناع الآخر بك وبمشروعك لاحقا، طبعا الإيمان الذي أقصده هنا ضد الغرور، وضد الفخر والتباهي والحذلقة (لأن هذه ضد الإبداع أصلا) ، ولكنه الإيمان الذي تشعره في ذاتك، وفي قرارة روحك بأنك خلقت كاتبا، وأن (كل ميسر لما خلق له) هذا الإيمان يجعلك لا تنتظر مباركة، ولا تعميد، ولا تقديم من أحد، مهما بلغت مكانته، ولغته، أو حتى إعجابك الشخصي بما يكتب، فأنت تشتغل على ذاتك ومشروعك في صمت وهدوء وثقة، وهذا الاشتغال الحقيقي والواعي والمدرك لقيمة الفعل (الكتابة!) لا بد أن يثمر يوما ما، (فلكل مجتهد نصيب)، ولابد أن يقنع هذا الاجتهاد الآخر، ولو على مضض!، وإن لم يقتنع فهذا أيضا لا يعنيك، ولن يضيرك كثيرا، ولن يقصم عرى نيتك المبيتة للاستمرار في طريق لم تختر المضي به، ليكون لديك خيار التراجع عنه!
* ضمن مشروع كتاب أقاص؛ سيصدر لكِ عمل سردي بعنوان دم دم ـــات ، لو تحدثي القارئ عن الكتاب وكيف جاءتكِ فكرة أن تنشريه ضمن مشروع كتاب أقاصي، وكيف عومل عملك من قبل القائمين على المشروع. بالطبع نحن نعلم الآليات المتبعة ولكن لتعريف القاريء العزيز؟
الكتاب هو عبارة عن نصوص فنية نثرية وحوارية، تحمل روح الشعرية وطاقة النثر في السردية والانثيال والاسترسال، كتبتها في العشر سنوات الفائتة، منها ما قد نشر في الصحف، ومنها مالم ينشر، أما فكرة نشره فكانت قائمة ذهنيا ذاتيا، أو ضمن أي مشروع نشر ثقافي عماني (وقد أصبحت متعددة الآن والحمد لله)، والحقيقة أنني قرأت عنها في مدونتك صدفة، وظننت أن الكتاب سنوي، وحين استفسرت من باب الفضول علمت أنها فكرة شهرية تقريبا، قلت في ذهني ولم لا؟ شجعني اسم الدار التي سيظهر من خلالها الكتاب(نينوى)، أرسلت النسخة إلكترونية من الكتاب، وتم قبولها مبدئيا، وقرئت من قبل اللجنة الخاصة بالمشروع، (المجهولة بالنسبة لي!) واتفقنا على بعض الملاحظات باحترام وود، ووصل الكتاب إلى الطباعة، وهو الآن في مراحل الإخراج تقريبا.
بدأت شاعرة، وفي آخر سنتين من تجربتك الكتابية عرفناك ناثرة حكايات ونصوص سردية والتي ابتدأتها برواية"حفلة الموت"، ولكِ قريباً مجموعة نصوص سردية. كيف حدث هذا الإنتقال من الشعر إلى النثر، أم تعدينه تطوراً في الوعي بالكتابة وما يتطلبه الزمن الحالي، كون النثر هو الأقرب إلى شرائح كثيرة من متلقي القراءة؟ والسرد أكثر اتساعاً للفكرة؟
لا تنسى أنني كاتبة قصيدة نثر أصلا، يعني أنني جئت من منطقة النثر وراوحت فيها، فذهبت باتجاه السرد في الرواية، وها أنا أنتثر بينهما في "دم دمات" وفي كتابات أخرى.. وكما قلت لك أظن " أن النثر سواء كان سرديا أو فنيا أو شعريا؛ هو الأكثر ترجيحا في الذائقة المعاصرة فعلا"، وهو تطور في اتجاهات الكتابة والوعي فعلا، لتبرح منطقة الشعرية الحادة والمختزلة والعميقة، رغبة في التبعثر الأكثر فضاء وفضفضة وأريحية في الكتابة، والنثر وهو الأقدر على ترجمة الروح باتساع وانتثار، وعلى لملمة تشظيات الفكرة، وفك شيفرات الذاكرة، وبلورة مضض الروح من حوافها الحادة..
* أغلب ردودك في حواراتك السابقة المنشورة لكِ؛ كانت ردودكِ على أسئلة المحاورين عبارة عن جمل وانثيالات شعرية. فهل تظنين أن بمثل تلك الإجابات تستطيعين التواصل مع قراء من غير النخبة؟
كما قلت لك سابقا، هذه أدواتي اللغوية، والشعرية ليس طارئة في لغتي بل هي أصيلة، وهي أسلوبي، وفي علم الأسلوبية ثمة مقولة "أن الرجل هو أسلوبه" وطبعا الرجل هنا للتعميم فقط! .. فأنا اعتمدت هذا الأسلوب "الشعري" في الكتابة، ربما لأنني لا أجيد سواه، لذا فهذا الخيار إجباري أيضا!
أما فكرة النخبة والعامة فهذه خارج تحسباتي ومقاييسي، فأنا أكتب لأقرأ فقط، فليقرأني من شاء، ولا أستطيع أن أضع في حسابي قارئا كسولا حتى عن محاولة الفهم والتحليل، والمثابرة في القراءة، ويريد أن يُقدَّم له نصا ساذجا ليقدم لي مباركته مثلا !!
* تكتبين عموداً أسبوعياً في ملحق"آفاق" بجريدة الشبيبة تحت عنوان"ألف باء"، فهل ترين أن العمود الأسبوعي مهم للكاتب لظهوره وتواصله مع قارئه، ألا يستهلككِ أدبياً؟
العمود بالنسبة لي هو حالة التزام وإلزام شخصية لي بالكتابة، ناهيك عن أهميته لظهور الكاتب وتوسيع قاعدة القراء..
إنه محاولة لضبط الذات وإلزامها على التخلص من المزاجية والتقلب، والبعثرة والفوضى وهي سمة ألصقت بالمبدعين، وهي حقيقية إلى حدا ما، وقد كتبت عمودا في جريدة الزمن " إشارات" لسنة ونصف تقريبا، وكان عمودا إبداعيا نصيا غالبا، واستفدت كثيرا من التجربة في ممارسة الكتابة الأسبوعية والالتزام بها، والآن أحاول أن يكون (ألف.. ياء) أقرب لفضاءات الكتابة والقراءات الموضوعية نسبيا، وهي أيضا محاولة للالتزام الذي يمثّل جزء من شخصيتي الحقيقة، والذي أحب أن يكون في أي عمل أتجه إليه، عن رغبة أو عن تكليف.
* ذهبتِ إلى الكتابة وكأنها خلاص للكاتب/الكائن. أليس هروباً مستمراً من الحياة؛ يمارسها الكاتب على نفسه؟ مر عظماء من الكتاب ولم يتغير شيء ما؟
الخلاص الذي قصدته هنا هو الخلاص الوجودي، الخلاص الذي هو ضد الاكتئاب أو الانتحار!
ولكن الكاتب قد يهرب للكتابة ولكنه لا يهرب من الحياة، إنه فقط يعيشها بطريقة أخرى، طريقة مختلفة عن طريقة حياة الآخرين، طريقة اختزالية في الروح والذاكرة، ثم يخرجها على الورق، تماما كما تفعل النحلة، وهذا قدره، فهو مخلوق لذلك كالنحلة التي قدرها إنتاج العسل!
يعيش ويكتب ثم يقدم كتابته/عسله ليسهم في رفد الحضارة الإنسانية والتاريخ بالقليل من الحكمة، ببيت شعر واحد، أو رواية، أو شذرة كلامية، وفي النهاية؛ هذا كل ما يجب أن يحدث؛ فليس مهمة الكاتب تغيير التاريخ- مع أنه يحدث أن يسهم في تغييره- لكن مهمته الحقيقية؛ التنوير، والتثقيف، والنقد، وتخليد الحقيقة، والرقي بالروح والعقل والفكر، وتعميق الوعي لدى المجتمع من خلال الكتابة، وما يترتب على هذا من بناء للعقول يشبه تماما ما يترتب من أثر تناول العسل في بناء الجسد، شيء خفي وغامض وداخلي ولكنه عميق وحقيقي.
* الموت.. الفقد.. الليل..الدم..الفراغ.. الوحشة. هل الإبداع الإبن الشرعي للمأسأة؟ رغم أنكِ كاتبة مثابرة.
حسنا! لننظر للأمر من الطرف الآخر، أو من الزاوية الأخرى، هل يمكن أن نكتب عن الفرح والضحك، دون أن نصبح هزليين، هل يمكن لكاتب لا يعيش معاناة وجودية ونفسية وذاتية وعامة أن يكتب أصلا، وإن كتب ماذا سيكتب؟ الدنيا جميلة! والحياة حلوة! سيكتب عن الوجه المشرق للأشياء (وهو غالبا قليل)!!
حسن وماذا بعد؟ "هل علينا أن نقفّل على كل المواضيع" كما تقول سندريلا الشاشة في أغنيتها الشهيرة!
لاااا الكتابة مخاض عسير، حالة نقد ورفض، ألم حاد وموت مستمر وفقد عظيم، ترويض للروح على التسبيح، وللذاكرة على إنتاج مخاضات متتالية، الكتابة موت متصل الحلقات، وحياة متجددة البدايات، ولا يمكن أن تأتي من سذاجة يومية، ولا من لحظة عابرة، لذا لابد أن تأتي من الدم والفقد والموت والفراغ والوحشة، وغيرها من مناطق موغلة في الارتباك والألم.. وهنا أستعين بإيميل سيوران ليقول لك" يفاجئني ذلك الرعب الممتع للدوار عند الزوال تماما، فلمن أنسبه؟ للدم؟ للازورد السماء؟ أم للأنيميا؟ التي هي في منتصف الطريق بين الاثنتين؟
* لديك مدونة بعنوان زاوية. لو تحدثينا عن هذا الإنزواء المعلن؟
أنا من المؤمنين بالعوالم الرقمية، وبأهميتها في صناعة وتسويق الكاتب، وتواصله مع قراءه، كما أنني من المؤمنين بلا محلية الكتابة والكاتب، وقد أسست لي موقعا الكترونيا من فترة طويلة أغلقته بعد ذلك .. ولذا ومن 2006 تقريبا أنشأت هذه المدونة التي ليست شخصية تماما.. والآن أنا أحبها وأنتمي إليها وأجددها كثيرا، أضيف فيها كل ما يعنيني، وكل نص أحبه لأصدقاء وكتاب من عمان (غالبا) ومن خارجا (أحيانا).
إنها الزاوية التي أحيا فيها عزلتي الحميمة وسط الجميع، فأنا أحب العزلة وسط الجمع، وليس في مكان خاص جدا غالبا، فالعزلة لا تعني الوحدة بالضرورة، وأعيش هذه الحالة في العمل وفي البيت، وأشعر بالفرح أن أكون في مكتبي أو غرفتي وأنا أسمع صدى ضجيج أو ضحكات أو تفاعل اجتماعي قريب مني، ولكنه لا يتقاطع معي بشكل مباشر، وكأنني جزء منه، إلا أنني منعزلة عنهم تماما، وكأن ذلك ديكور للمشهد الذي أنا فيه، شعور لذيذ وناعم ودافئ جدا. وزاوية تحقق لي هذه العزلة وسط الضجيج الخرافي للعوالم الرقمية، إنها بيتي الحميم، بيت السلحفاة التي تحتمي داخلة وسط الجميع.. فهي معهم وليست معهم ..
* هل يوجد لدينا نقاد محترفين ومسلحين بأدواتهم النقدية المنهجية، أم أن ما يطرح على الساحة المحلية من النقد هو عبارة عن رسائل علمية، وأوراق نقدية تكتب حسب الطلب؟
نعم، لدينا نقد ونقاد طبعا، والرسائل العلمية وحتى النقد المناسباتي مطلوب، ولكن لدينا -كما لدى الجميع- فجوة بين المتابعة الإبداع والنقد، وهذه مشكلة أزلية وتاريخية بين النقد والإبداع ولا أظن أن لها حلاً، ولذا لن أتكلم فيها كثيرا..
* هل متفائلة بشأن الفعل الثقافي في السلطنة، وأنه ضمن إطار واضح ومعلوم؟
علينا أن نتفاءل دائما فيما يخص الطموحات العظيمة، والأفكار الخلاّقة، وعلينا أن نجتهد ضمن هذا الفعل لنكون جديرين باستحقاق الانتماء له، وتطويره وتغييره، والوصول به لمستوى الطموح من داخله وليس من خارجه، علينا أن نتحرك منه إليه، كأشخاص فاعلين ننتمي إليه فعلا، ونريد له التقدم، ونسعى لذلك سواء على صعيد الاشتغال الذاتي للكتابة بكوننا عناصر في هذا المشهد، أو على صعيد خدمة قضاياه وشخوصه والمشاركة الفاعلة فيه، وليس ككائنات تنمو على هامش المشهد، وتفتعل النقد والضجيج والرفض دون عمل حقيقي ودون أدنى مبادرة..
*ما جديدكِ لهذا العام؟
"دمدمات" كما أشرنا سابقا، وهو كتاب "نصوص" سيصدر عن مشروع أقاصي، ولدي أيضا كتابان في طريقهما للنشر!
هل من كلمة توجهينها عبر أقاصي؟
بل هي كلمة لأقاصي تحديدا.. شكراا على هذه الالتفاتة النبيلة، شكراا لفتنة السؤال التي حفرت بإزميلاتها الطيبة حواف الذاكرة والقلب، وأشعلت مجاهل الروح بشمعة حنونة لتنساب في تداعياتها وتهويماتها الحارقة، شكرا لــ"دمدمات" الذي سيرى النور من " أقاصي" الحلم قريبا...

‏ليست هناك تعليقات: